آخر تحديث: 10/05/2021

أجمل أشعار أبو القاسم الشابي

أجمل أشعار أبو القاسم الشابي
من منا لم يسمع ببيت: "إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر" للشاعر التونسي أبو القاسم الشابي، والذي تغنت به الشعوب العربية في الربيع العربي. ومن منا لا يستمتع بقصائد هذا الأخير التي تتميز بالرومانسية والسلاسة في التعبير.

من هو أبو القاسم الشابي؟

وُلِدَ أبو القاسم الشابي في 24 من شهر فبراير من عام 1909م في تونس، في قريةٍ بمحافظة توزور في الجنوب التونسي تُعرف باسم الشابة. وقد نشأ الشاعر التونسي في أسرةٍ متدينة ومُثقفةٍ، ويُعدّ من أبناء القرن العشرين الذين كانت نشأتهم بين الحرب العالميّتين الأولى والثّانية. 

والده الشيخ والقاضي محمد بن القاسم الشابي الذي تخرج من جامعة الأزهر، ودرس في جامعِ الزيتونة في تونس لمُدّةِ سنتين، ثم بعد ذلك أصبح قاضياً شرعياً، وكان أبو القاسم الشابي في طفولته يرافق والده في مختلفِ رحلاته وتنقلاته بين المُدنِ التونسيّة التي كان يعمل بها.

أبو القاسم صاحب الألفاظ السهلة القريبة من القلب والعبارات البلاغية الرائعة التي يصوغها بأسلوب شعري جميل، فهو بطبيعته يبتكر أفضل الأشعار لمختلف المواضيع، بحيث تكون قصائده مؤثرة في النفس خارجة من القلب تحمل إياها كل معاني التأثر النفسي.

توفي الشاعر التونسي في 9 من شهر أكتوبر عام 1934 عن عمر 25 عاما، حيث أُصيبَ بتضخم في القلب منذ صغره، وتوفي بعد صراع مع المرض، في مدينة تونس العاصمة بالظبط في مستشفى الحبيب تامر الذي كان يُعرف أنذاك بالمستشفى الإيطالي.

أجمل أشعار أبو القاسم الشابي

قصيدة إرادة الحياة

إذا الــشّـعْـبُ يَــوْمَــاً أرَادَ الْــحَـيَـاةَ
فَــــلا بُــــدَّ أنْ يَـسْـتَـجِـيبَ الــقَـدَر
وَلا بُــــــــدَّ لِـــلَّــيْــلِ أنْ يَــنْــجَــلِـي
وَلا بُـــــــدَّ لــلــقَــيْـدِ أَنْ يَــنْــكَـسِـر
وَمَــنْ لَــمْ يُـعَـانِقْهُ شَــوْقُ الْـحَيَاةِ
تَــبَــخَّــرَ فــــــي جَـــوِّهَــا وَانْـــدَثَــر
فَــوَيْـلٌ لِــمَـنْ لَــمْ تَـشُـقْهُ الْـحَـيَاةُ
مِــــنْ صَــفْـعَـةِ الــعَــدَم الـمُـنْـتَـصِر
كَـــذلِــكَ قَــالَــتْ لِــــيَ الـكَـائِـنَـاتُ
وَحَــدّثَــنــي رُوحُـــهَـــا الـمُـسْـتَـتِـر
وَدَمــدَمَــتِ الــرِّيـحُ بَــيْـنَ الـفِـجَـاجِ
وَفَـــوْقَ الـجِـبَـال وَتَــحْـتَ الـشَّـجَر
إذَا مَـــــا طَــمَــحْـتُ إلِــــى غَــايَــةٍ
رَكِــبْـتُ الْـمُـنَـى وَنَـسِـيـتُ الـحَـذَر
وَلَــــمْ أَتَــجَـنَّـبْ وُعُــــورَ الـشِّـعَـابِ
وَلا كُـــبَّـــةَ الــلَّــهَــبِ الــمُـسْـتَـعِـر
وَمَــــنْ لا يُــحِــبّ صُــعُـودَ الـجِـبَـالِ
يَــعِـشْ أَبَـــدَ الــدَّهْـرِ بَــيْـنَ الـحُـفَر
فَـعَـجَّـتْ بِـقَـلْـبِي دِمَـــاءُ الـشَّـبَابِ
وَضَـــجَّــتْ بِــصَــدْرِي رِيَــــاحٌ أُخَــــر
وَأَطْـرَقْتُ ، أُصْـغِي لِـقَصْفِ الـرُّعُودِ
وَعَـــــزْفِ الــرِّيَــاح وَوَقْــــعِ الــمَـطَـر
وَقَـالَتْ لِـيَ الأَرْضُ – لَمَّا سَأَلْتُ :
” أَيَــا أُمُّ هَــلْ تَـكْـرَهِينَ الـبَـشَر؟”
“أُبَـارِكُ فـي الـنَّاسِ أَهْـلَ الـطُّمُوحِ
وَمَــــنْ يَـسْـتَـلِـذُّ رُكُــــوبَ الــخَـطَـر
وأَلْــعَـنُ مَـــنْ لا يُـمَـاشِي الـزَّمَـانَ
وَيَـقْـنَـعُ بِـالـعَـيْشِ عَــيْـشِ الـحَـجَر
هُــوَ الـكَـوْنُ حَــيٌّ ، يُـحِـبُّ الـحَيَاةَ
وَيَــحْـتَـقِـرُ الْــمَــيْـتَ مَــهْـمَـا كَــبُــر
فَــلا الأُفْــقُ يَـحْـضُنُ مَـيْتَ الـطُّيُورِ
وَلا الــنَّـحْـلُ يَــلْـثِـمُ مَــيْـتَ الــزَّهَـر
وَلَـــــوْلا أُمُــومَــةُ قَــلْـبِـي الــــرَّؤُوم
لَــمَـا ضَـمَّـتِ الـمَـيْتَ تِـلْـكَ الـحُـفَر
فَــوَيْـلٌ لِــمَـنْ لَــمْ تَـشُـقْهُ الـحَـيَاةُ
مِــــنْ لَــعْـنَـةِ الــعَــدَمِ الـمُـنْـتَصِر!”

قصيدة نشيد الجبار هكذا غنّى بروميثيوس

سَــأعـيـشُ رَغْــــمَ الــــدَّاءِ والأَعْــــداءِ
كــالـنِّـسْـر فــــوقَ الــقِـمَّـةِ الــشَّـمَّـاءِ
أَرْنـو إِلَـى الشَّمْسِ المضِيئّةِ..، هازِئاً
بــالــسُّـحْـبِ، والأمـــطـــارِ، والأَنـــــواءِ
لا أرمـــقُ الــظـلَّ الـكـئـيبَ..، ولا أَرى
مــــا فــــي قـــرار الــهَـوّةِ الــسـوداءِ..
وأسـيـرُ فــي دُنـيـا الـمشاعِر، حَـالماَ
غــــرِداً- وتــلــكَ ســعــادةُ الــشـعـراءِ
أُصـغِـي لـموسيقى الـحياةِ، وَوَحْـيها
وأذيـــبُ روحَ الــكـونِ فـــي إنْـشـائي
وأُصِــيــخُ لــلـصّـوتِ الإلــهــيِّ، الَّـــذي
يُــحــيـي بــقـلـبـي مَــيِّــتَ الأصْــــداءِ
وأقـــــول لــلــقَـدَرِ الــــذي لا يَـنْـثـنـي
عــــن حــــرب آمــالــي بــكــل بـــلاءِ:
لا يطفىء اللهبَ المؤجَّجَ في دَمي
مـــــوجُ الأســـــى، وعــواصــفُ الأرْزاءِ
فـاهـدمْ فــؤادي مـا اسـتطعتَ، فـإنَّهُ
ســيـكـون مــثــلَ الــصَّـخْـرة الـصَّـمَّـاءِ
لا يــعـرفُ الـشـكْوى الـذَّلـيلةَ والـبُـكا
وضَــــراعَـــةَ الأَطْــــفـــالِ والــضُّــعَـفَـاء
ويــعــيـشُ جـــبَّــارا، يــحــدِّق دائــمــاً
بـالـفَجْرِ..، بـالـفجرِ الـجـميلِ، الـنَّائي
وامــلأْ طـريقي بـالمخاوفِ، والـدّجى
وزَوابـــــــعِ الاَشْـــــــواكِ، والــحَــصْـبـاءِ
وانـشُـرْ عـلـيْهِ الـرُّعْـبَ، وانـثُـرْ فَـوْقَـهُ
رُجُــــمَ الـــرّدى، وصــواعِـقَ الـبـأسـاءِ
سَـأَظـلُّ أمـشـي رغْــمَ ذلــك، عـازفاً
قــيــثــارتــي، مــتــرنِّــمــا بــغــنــائــي
أمـــشــي بـــــروحٍ حــالــمٍ، مــتَـوَهِّـجٍ
فــــــــــــي ظُــــلــــمـــةِ الآلامِ والأدواءِ
الــنّـور فـــي قـلـبِي وبـيـنَ جـوانـحي
فَـعَلامَ أخـشى الـسَّيرَ فـي الـظلماءِ
إنّـــي أنـــا الــنّـايُ الـــذي لا تـنـتـهي
أنــغــامُـهُ، مـــــا دامَ فـــــي الأحــيــاءِ
وأنــا الـخِـضَمُّ الـرحْـبُ، لـيـس تـزيـدُهُ
إلا حـــــيـــــاةً سَـــــطْــــوةُ الأنـــــــــواءِ
أمَّـــا إذا خــمـدَتْ حَـيـاتي، وانْـقَـضَى
عُــمُـري، وأخــرسَـتِ الـمـنـيَّةُ نـائـي
وخـبا لـهيبُ الـكون فـي قـلبي الذي
قـــدْ عــاشَ مـثـلَ الـشُّـعْلةِ الـحـمْراءِ
فـــأنــا الــسَّـعـيـدُ بــأنــنـي مُــتَــحـوِّلٌ
عَــــــنْ عَـــالــمِ الآثـــــامِ، والــبـغـضـاءِ
لأذوبَ فـي فـجر الـجمال الـسرمديِّ
وأَرْتـــــوي مـــــنْ مَــنْــهَـلِ الأَضْـــــواءِ”
وأقــــولُ لـلـجَـمْـعِ الــذيــنَ تـجـشَّـموا
هَـــدْمــي وودُّوا لـــــو يــخــرُّ بــنـائـي
ورأوْا عـلـى الأشــواك ظـلِّـيَ هـامِـداً
فـتـخـيّـلـوا أنِّـــــي قَــضَـيْـتُ ذَمــائــي
وغـــدوْا يَـشُـبُّـون الـلَّـهـيبَ بـكـلِّ مــا
وجـــدوا..، لـيـشـوُوا فـوقَـهُ أشـلائـي
ومــضُــوْا يــمــدُّونَ الــخـوانَ، لـيـأكُـلوا
لـحـمـي، ويـرتـشـفوا عـلـيه دِمـائـي
إنّــي أقــول لَـهُـمْ ووجـهـي مُـشْـرقٌ
وَعـلـى شِـفـاهي بَـسْمة اسْـتِهزاءِ:
“إنَّ الــمــعــاوِلَ لا تـــهـــدُّ مَــنـاكِـبـي
والــنَّــارَ لا تَــأتــي عَــلَــى أعْــضـائـي
فارموا إلى النَّار الحشائشَ..، والعبوا
يــا مَـعْـشَرَ الأَطـفـالِ تـحتَ سَـمائي
وإذا تــمــرّدتِ الـعَـواصـفُ، وانـتـشـى
بــالــهــول قَـــلْـــبُ الــقــبّـةِ الـــزَّرقــاءِ
ورأيــتــمــونــي طــــائــــراً، مــتــرنِّــمـاً
فــوقَ الـزّوابـعِ، فــي الـفَـضاءِ الـنائي
فـارموا عـلى ظلّي الحجارةَ، واختفوا
خَـــــوْفَ الـــرِّيــاحِ الْــهــوجِ والأَنــــواءِ..
وهُـنـاك، فـي أمْـنِ الـبُيوتِ، تَـطارَحُوا
عـــــــثَّ الـــحــديــثِ، ومـــيِّـــتَ الآراءِ
وتــرنَّـمـوا مــــا شــئـتـمُ بِـشَـتَـائـمي
وتــجــاهَـرُوا مـــــا شــئـتـمُ بِــعـدائـي
أمــــا أنــــا فـأجـيـبـكم مــــن فـوقِـكـم
والـشمسُ والـشفقُ الجميلُ إزائي:
مَــنْ جـاشَ بِـالوَحْيِ الـمقدَّسِ قـلبُه
لـــــم يــحـتـفِـلْ بــفــداحـة الأعــبــاءِ”

قصيدة أراك فتحلو لدي الحياة

أراكِ، فَـتَـحْـلُـو لَــــدَيّ الــحـيـاةُ
ويـمـلأُ نَـفـسي صَـبَـاحُ الأمــلْ
وتـنـمـو بـصـدرِي ورُودٌ، عِــذابٌ
وتـحنو عـلى قـلبيَ المشتعِلْ
ويـفْـتِنُني فـيـكِ فـيـضُ الـحـياةِ
وذاك الـشّبابُ، الـوديعُ، الـثَّمِلْ
ويـفـتنُني سِـحْرُ تـلك الـشِّفاهِ
تــرفـرفُ مـــنْ حـولـهـنّ الـقُـبَلْ
فـأعـبُدُ فـيـكِ جـمـالَ الـسّماء،
ورقَــــةَ وَرْدِ الــرَّبـيـعِ، الــخـضِـلْ
وطُـهْرَ الـثلوج، وسِـحْرَ الـمروج
مُــوَشَّــحَـةً بــشـعـاعِ الــطَّـفَـلْ
أراكِ، فــأُخْـلَـقُ خـلْـقـاً جــديـداً
كـأنّـيَ لــم أَبْــلُ حـربَ الـوجودْ
ولــم أحـتمِلْ فـيه عِـبثاً، ثـقيلاً
مــن الـذِّكْـريَاتِ الـتـي لا تَـبـيدْ
وأضــغــاثِ أيّــامــيَ، الـغـابـراتِ
وفـيها الشَّقيُّ، وفيها السَّعيدْ
ويْـغْـمُـرُ روحِــي ضـيـاءٌ، رفـيـقٌ
تُــكَــلّــلـهُ رَائــــعـــاتُ الــــــورودْ
وتُـسْـمُـعُني هَــاتِـهِ الـكَـائِـنَاتُ
رقـيقَ الأغـاني، وحُـلْوَ النشيدْ
وتـرقـصُ حـولِـي أمــانٍ، طِـرابٌ
وأفـــراحُ عُــمْـرِ خَـلِـيٍّ، سَـعـيدْ
أراكِ، فـتـخفُقُ أعـصـابُ قـلبي
وتــهـتـزُّ مِــثْــلَ اهــتــزازِ الــوَتَـرْ
ويُجري عليها الهَوى، في حُنُوٍّ
أنــامـلَ، لُـدْنـاً، كـرَطْـبَ الـزَّهَـرْ
فتخطو أناشيدُ قلبيَ، سَكْرَى
تــغــرِّدُ، تَــحْـتَ ظِـــلالِ الـقَـمَـرْ
وتــمــلأَنـي نَــشْــوةٌ، لا تُــحَــدُّ
كـأنِّـيَ أصـبَـحْتُ فــوقَ الـبَشَرْ
أوَدُّ بــروحــي عــنـاقَ الــوجـودِ
بـما فـيه مـن أنـفسٍ، أو شجرْ
ولـــيــلٍ يـــفــرُّ، وفـــجــرٍ يـــكــرُّ
وغَــيْـمٍ، يُـوَشِّـي رداءَ الـسـحرْ

قصيدة إلى طغاة العالم

ألا أيـــهــا الــظَّــالـمُ الـمـسـتـبدُ
حَـبـيـبُ الــظَّـلامِ، عَــدوُّ الـحـياهْ
سَـخَـرْتَ بـأنّـاتِ شَـعْـبٍ ضَـعيفٍ
وكــفُّــكَ مـخـضـوبةُ مـــن دِمـــاهُ
وَسِــرْتَ تُـشَـوِّه سِـحْـرَ الـوجـودِ
وتـبذرُ شـوكَ الأسـى فـي رُبـاهُ
رُوَيــــدَكَ! لا يـخـدعـنْـك الــربـيـعُ
وصـحـوُ الـفَـضاءِ، وضــوءُ الـصباحْ
ففي الأفُق الرحب هولُ الظلام
وقـصـفُ الـرُّعودِ، وعَـصْفُ الـرِّياحْ
حــذارِ! فـتـحت الـرّمـادِ اللهيــبُ
ومَـن يَـبْذُرِ الـشَّوكَ يَجْنِ الجراحْ
تـأمـلْ! هـنـالِكَ.. أنّــى حَـصَـدْتَ
رؤوسَ الـــورى، وزهـــورَ الأمَـــلْ
ورَوَيَّــــت بــالـدَّم قَــلْـبَ الــتُّـرابِ
وأشْـربـتَه الـدَّمـعَ، حـتَّـى ثَـمِـلْ
سـيجرفُكَ السيلُ، سيلُ الدماء
ويــأكـلُـك الـعـاصـفُ الـمـشـتعِلْ

قصيدة الأشواق التائهة

يـــا صـمـيـمَ الـحـيـاةِ! إنـــي وحـيـدٌ
مــدْلــجٌ، تــائــهٌ، فــأيـن شــروقُـكْ؟
يــــا صـمـيـمَ الـحـيـاةِ! إنـــي فـــؤادٌ
ضــائـع، ظــامـئٌ، فــأيـن رحـيـقكْ؟
يـا صـميمَ الـحياةِ! قـد وجَـم الـنَّايُ
وغــــام الــفــض، فــأيــن بــروقــكْ؟
يـــا صـمـيمَ الـحـياةِ! أيــن أغـانـيك!
فـتـحت الـنـجومِ يُـصـغِي مَـشـوقكْ
كــنــتُ فــــي فــجــرِك، الــمـوشَّـح
بـالأحلام، عِـطْرً، يَـرِفُّ فوق ورودكْ
حــالـمً، يـنـهـل الـضـيـاءَ، ويُـصـغـي
لــكَ فــي نـشـوةٍ بـوحـي نـشيدكْ
ثــــمّ جـــاء الــدُّجـى..، فـأمـسـيتُ
أوراقً، بــدادً، مــن ذابــلاتِ الــورودِ
وضـبـابًـا مــن الـشّـذى، يـتـلاشى
بـين هـول الـدُّجى وصـمتِ الوجودِ
كـــنــتُ فـــــي فـــجــركَ الـمـغـلَّـفِ
بالسحرِ، فَضَاءً من النشيد الهادي
وســحـابًـا مـــن الـــرُّؤى، يـتـهـادى
فـــــــي ضـــمــيــرِ الآزالِ والآبـــــــادِ
وضــيــاءً، يـعـانـق الـعـالَـمَ الــرحـبَ
ويــسـري فـــي كـــلٍّ خـــافٍ وبـــادِ
وانـقـضى الـفـجرُ.. فـانـحدرتُ مــن
الأفــق تـرابًـا إلــى صـمـيم الـوادي
يـا صـميمَ الحياةِ! كم أنا في الدنيا
غــريـبٌ! أشــقـى بـغـربةِ نـفـسي
بــيـن قـــومٍ، لا يـفـهـمونَ أنـاشـيـدَ
فــــــؤادي، ولا مــعــانـيَ بـــؤســي
فــــــي وجــــــودٍ مــكــبَّــلٍ بــقــيـودٍ
تــائـهٍ فـــي ظـــلام شــكّ ونـحـسِ
فـاحتضِنِّي، وضُمَّني لك كالماضي
فـــهــذا الـــوجــودُ عـــلّــةُ يــأســي
لـــم أجــد فــي الـوجـودِ إلاّ شَـقَـاءً
ســـرمـــديًّ، ولـــــذّةً، مـضـمـحـلَّـهْ
وأمــانــيَّ، يُــغــرِقُ الــدمـعُ أحـــلاه
ويُــفــنـي يـــــمُّ الـــزمــان صــداهــا
وأنـاشـيـدَ، يـأكـل الـلَّـهَبُ الـدّامـي
مـــســراتِــه، ويُـــبْــقِــي أســـاهـــا
وورودً، تـموت فـي قـبضةِ الأشواكِ
مـــــا هـــــذه الــحــيـاة الـمُـمِـلَّـهْ؟!
ســــــأمٌ هــــــذه الــحــيــاة مُـــعَــادٌ
وصـــبــاحٌ، يــكــرُّ فــــي إثــــر لــيــلِ
لـيـتني لــم أَفِـدْ إلـى هـذه الـدني
ولــــم تـسـبـح الـكـواكـبُ حــولـي!
لـيـتني لـم يـعانق الـفجرُ أحـلامي
ولـــــم يــلــثـم الــضـيـاءُ جــفـونـي!
لـيتني لـم أزل - كـما كـنت - ضـوءً
شـائـعًا فـي الـوجود غـيرَ سـجينِ!

وفي الختام، نتمنى أن تروق لكم أفضل أشعار أبو القاسم الشابي التي اخترناها لكم، الذي رغم أن المنية وافته وهو في سن الخامسة والعشرين إلا أنه ترك أثرا بالغا في الشعر العربي وقام بتحديث معاييره.