نسيج الزمكان
بواسطة: :name Zakaria
آخر تحديث: 01/01/2020
نسيج الزمكان
شهد العالم في القرن العشرين نقلة معرفية ثورية، في مجال الفيزياء، حيث ظهرت نظريتي النسبية والكم، والتي يقف على أكتافهما العلم الفيزيائي اليوم، وقد قدمت هذه النظريات جملة من المفاهيم المذهلة، ويعد مفهوم الزمكان من أغرب هذه المفاهيم وأجملها في ذات الحين، فما هو نسيج الزمكان؟ ما أصول فكرة الزمكان؟ و كيف يشتغل هذا المفهوم حسب الفيزياء الحديثة؟

نسيج الزمكان

الزمكان Spacetime هو نموذج رياضي يجمع بين الزمان والمكان في فكرة واحدة تسمى الاستمرارية. تعرف هذه الاستمرارية رباعية الأبعاد باسم مساحة مينكوفسكي أو زمكان مينكوفسكي. وقد ساعد الجمع بين هاتين الفكرتين في علم الكونيات والفيزياء على فهم أعمق لكيفية عمل الكون على المستوى الكبير (مثل المجرات) والمستوى الصغير (مثل الذرات).

في الميكانيكا الكلاسيكية غير النسبية ــ أي ميكانيكا نيوتن ــ، يعد استخدام المرجع الإقليدي بدلاً من الزمكان أمرا جيدًا وعمليا، لأن الوقت يتم التعامل معه على أنه عالمي ومطلق بمعدل ثابت للمرور، حيث يكون مستقلاً عن حالة حركة المراقب.
لكن في الكون النسبي، لا يمكن فصل الزمن عن أبعاد الفضاء الثلاثة. وذلك لأن المعدل المرصود الذي يمر به الوقت يعتمد على سرعة الكائن بالنسبة للمراقب. كما أن قوة أي مجال للجاذبية، تبطئ مرور الوقت لكائن كما يراه المراقب خارج الحقل.

الجاذبية والزمكان

أينما وجدت المادة، فإنها تتسبب في إنحناء نسيج الزمكان. لينتج عن هذا شكل منحنى لنسيج الزمكان يمكن فهمه على أنه جاذبية. حيث يتبين جليا أن الجاذبية تكافئ تأثير الكتلة على الزمكان.

في الميكانيكا الكلاسيكية، يكون استخدام الزمكان اختياريًا، حيث أن الوقت مستقل عن الحركة في الأبعاد الثلاثة للفضاء الإقليدي. عندما يتحرك الجسم بسرعات قريبة من سرعة الضوء (السرعات النسبية)، لا يمكن فصل الوقت عن أبعاد الفضاء الثلاثة.

الأصل التاريخي للزمكانية

ساعد الفيزيائي الشهير ألبرت أينشتاين في تطوير فكرة الزمكان كجزء من نظريته النسبية. لكن؛ قبل عمله الرائد، كان لدى العلماء نظريتين منفصلتين لشرح الظواهر الفيزيائية: حيث وصفت قوانين الفيزياء لدى إسحاق نيوتن حركة الأجسام الضخمة، في حين أوضحت نماذج جيمس كليرك ماكسويل الكهرومغناطيسية خصائص الضوء.

لكن التجارب التي أجريت في نهاية القرن التاسع عشر أشارت إلى وجود شيء مميز حول الضوء. فقد أظهرت القياسات أن الضوء يسافر دائمًا بنفس السرعة، بغض النظر عن المرجع أو المراقب.

وفي عام 1898، تكهن الفيزيائي والرياضيات الفرنسي هنري بوانكاريه بأن سرعة الضوء قد تكون ثابتة وغير مسبوقة. في نفس الوقت تقريبا، كان باحثون آخرون يدرسون إمكانية تغير الأشياء في الحجم والكتلة، اعتمادًا على سرعتها.

جمع آينشتاين كل هذه الأفكار معًا في نظرية النسبية الخاصة لعام 1905، والتي افترضت أن سرعة الضوء كانت ثابتة. لكي يكون هذا صحيحًا، يجب دمج المساحة والوقت في إطار واحد للحفاظ على سرعة الضوء كما هي بالنسبة لجميع المراقبين.

ورغم أن الكثير من الناس يربطون نسيج الزمكان مع العالم الفيزيائي الشهير  ألبرت أينشتاين، الذي اقترح النسبية الخاصة في عام 1905. إلا أن أستاذ ألبرت أينشتاين، هيرمان مينكوفسكي، كان هو من اقترح فكرة الزمكان لأول مرة، في مقال له في سنة  1908. إن مفهوم "زمكان مينكوفسكي"يعد أول معاملة جادة للفضاء والوقت كجانبين لعملة واحدة.

ورغم أسبقيته، إلا أن زمكان مينكوفسكي كان دقيقا فقط في وصف الظواهر ذات السرعات الثابتة. بينما كان آينشتاين هو الذي اكتشف انحناء الزمكان (الجاذبية) في النسبية العامة. ففي النسبية العامة، عمم ألبرت آينشتاين نظرية "زمكان مينكوفسكي"، لتشمل آثار التسارع. حيث اكتشف أينشتاين أن الانحناء في تمثيله الزماني رباعي الأبعاد، هو في الواقع السبب وراء الجاذبية.

كيف يشتغل الزمكان

في هذه الأيام، عندما يتحدث الناس عن الزمكان، فإنهم يصفونه في كثير من الأحيان بأنه يشبه ورقة من المطاط القابلة للثني والطي والاعوجاج. وهذا التشبيه أيضًا قدمه أينشتاين، حين أدرك أثناء تطويره لنظرية النسبية العامة أن قوة الجاذبية كانت بسبب منحنيات في نسيج الزمكان.

فالأجسام الضخمة -مثل الأرض أو الشمس أو أنت - تخلق تشوهات في الزمان والمكان مما يؤدي إلى الانحناء. هذه المنحنيات، بدورها، تقيد الطرق التي يتحرك بها كل شيء في الكون، لأن الأجسام يجب أن تتبع مسارات على طول هذا الانحناء المشوه. الحركة بسبب الجاذبية هي في الواقع حركة على طول التحولات والمنعطفات في الزمان والمكان.

إن أبسط طريقة لفهم نسيج الزمان والمكان هي تخيل ورقة منحنية من المطاط توجه كيفية تحرك كل شيء في الكون. لكن القياس هنا ليس دقيقًا تمامًا، نظرًا لأن الزمان والمكان له أربعة أبعاد، بينما تحتوي ورقة المطاط على بعدين فقط.
وفي العام 2011، قامت بعثة ناسا تسمى (Gravity Probe B (GP-B بقياس شكل دوامة الزمكان حول الأرض، ووجدت أنها تتوافق بشكل وثيق مع تنبؤات أينشتاين.

رغم الصعوبة والتعقيد اللذان يلفان مفهوم نسيج الزمكان حتى بالنسبة لأكبر الفيزيائيين، إلا أنه إن دل على شيء فإنه يدل على القدرات والإمكانات الجبارة التي يمكن للعقل البشري أن يفجرها، ويؤكد بأن الكائن البشري قادر على بلوغ آفاق علمية رحبة تفوق الخيال!