آخر تحديث: 10/05/2021

الثقب الأسود

الثقب الأسود
مما لا ريب فيه أن الكون عالم مليء بالعجائب، ولا يزال علماء الفلك والفيزياء يفاجئوننا بين الفينة والأخرى بفتوحات علمية مذهلة تكشف الستار عن ظواهر فيزيائية غريبة ومعقدة، ولكن من بين كل هذه الظواهر، يعد الثقب الأسود من أغربها على الإطلاق فيما يلي سنتعرف على جملة من أسراره وغرائبه.

الثقب الأسود

الثقب الأسود Black hole ببساطة هو أي شيء يسعك أن تتصوره ماعدا مساحة فارغة. فلك أن تتخيل حجما هائلا من المادة محشورا ومضغوطا ومنكمشا في حيز صغير جدا. مثلا تخيل نجما عملاقا أثقل 10مرات من شمسنا، مضغوط في كرة بقطر مدينة نيويورك. النتيجة فيزيائيا هي مجال جاذبية قوي جدا، لا يمكن لأي شيء أن يفلت منه، وحين نقول أي شيء فإننا نعنيه حقا، فحتى الضوء لا تسعفه سرعته -الأكبر في الوجود المعروف للنجاة- من هذه المقبرة السوداء.

ونظرًا لعدم خروج أي ضوء من الثقوب السوداء، فلا يمكن للناس رؤية الثقوب السوداء بالعين المجردة. فقط التلسكوبات الفضائية مع أدوات خاصة يمكن أن تساعد في العثور على الثقوب السوداء. كما يمكنها أن ترى كيف تتصرف النجوم القريبة جدًا من الثقوب السوداء بشكل مختلف عن النجوم الأخرى.

حجم الثقوب السوداء

الثقوب السوداء يمكن أن تكون كبيرة أو صغيرة الحجم. يعتقد العلماء أن أصغر الثقوب السوداء قد تصل إلى حجم ذرة واحدة فقط. هذه الثقوب السوداء صغيرة جدًا ولكن لها كتلة جبل كبير. والكتلة علميا هي مقدار المادة في شيء ما.

نوع آخر من الثقوب السوداء يسمى "الثقب النجمي". يمكن أن تصل كتلته إلى 20 مرة أكثر من كتلة الشمس. قد يكون هناك العديد من الثقوب السوداء ذات الكتلة النجمية في مجرتنا مجرة درب التبانة.

تسمى أكبر الثقوب السوداء بـ "فائق الكتلة". هذه الثقوب السوداء لها كتلة أكثر من مليون شمس مجتمعة. لقد وجد العلماء دليلاً على أن كل مجرة كبيرة تحتوي على ثقب أسود هائل في وسطها. يُطلق على الثقب الأسود الهائل في مركز مجرة درب التبانة "القوس أ"، حيث تبلغ كتلته حوالي 4 ملايين كتلة شمسية، ويمكن أن تتصوره ككرة كبيرة للغاية يمكن أن تحمل بضعة ملايين من كواكب الأرض.

كيف تنشأ الثقوب السوداء؟

يعتقد العلماء أن الثقوب السوداء يتم إنشاؤها في الأماكن التي تصبح فيها المادة كثيفة للغاية (حيث يتم حشر كمية ضخمة من المواد في مساحة صغيرة للغاية).

يمكن أن يحدث هذا في مراكز المجرات الكبيرة أو عندما ينهار نجم عملاق وينكمش خلال المراحل الأخيرة من حياته. وعندما تصبح المادة شديدة الكثافة بحيث لا يمكن للضوء أن يفلت منها، تصبح المنطقة الموجودة فيها ثقبًا أسود.

عندما ينفد الوقود من النجم للتفاعل النووي في قلبه، لا يصبح بإمكانه منع نفسه من الانهيار تحت تأثير ثقله. فينهار النجم أولاً ثم تنتعش الطبقات الخارجية لتشكل انفجارًا مستعرًا أعظميًا.

ما تبقى في القلب هو النجم النيوتروني أو الثقب الأسود وذلك اعتمادًا على الكتلة الأولية للنجم. لتكوين ثقب أسود، يجب أن تكون الكتلة المتبقية في القلب بعد الانفجار أكثر من حوالي 3 أضعاف كتلة الشمس. ربما يحتاج النجم في معظم حياته إلى ما بين 50 إلى 100 ضعف كتلة الشمس لتشكيل ثقب أسود في نهاية المطاف.

من المستحيل أن يتشكل ثقب أسود على بعد بضع سنوات ضوئية من الأرض حيث لا توجد نجوم كبيرة بما يكفي في جوار كوكبنا. ولكن تشكل بعض من ألمع النجوم في السماء القريبة "ثقوبا سوداء" في نهاية المطاف.

علامات وجود الثقوب السوداء

لا يمكن لأي ضوء من أي نوع، بما في ذلك الأشعة السينية، الهروب من داخل أفق الحدث لثقب أسود، وهي المنطقة التي لا يمكن العودة إليها. تلسكوبات ناسا التي تدرس الثقوب السوداء تبحث في البيئات المحيطة بالثقوب السوداء، حيث توجد مواد قريبة جدًا من أفق الحدث.

يتم تسخين المادة إلى ملايين الدرجات أثناء شدها نحو الثقب الأسود، بحيث تتوهج في الأشعة السينية. كما أن الثقل الهائل للثقوب السوداء يشوه الفضاء نفسه، لذلك فمن الممكن رؤية تأثير الجاذبية غير المرئية على النجوم وغيرها من الأشياء.

هل يمكن لثقب أسود أن يلتهم مجرة؟

علميا لا توجد هناك أي إمكانية لتسقط مجرة كاملة في جوف ثقب أسود، إن امتداد الجاذبية للثقوب السوداء الهائلة الموجودة في وسط المجرات هو في الحقيقة امتداد ضخم، ولكنه ليس كبيرًا بما يكفي ليلتهم مجرة بأكملها.

ما الذي يحدث إذا وقعت في ثقب أسود؟

إذا وقعت في ثقب أسود، فحسب ما نعرفه عن جوف الثقوب السوداء، حسب النسبية العامة لأينشتاين، فإن الجاذبية سوف تمدك مثل السباغيتي، على الرغم من أن موتك سيأتي قبل أن تصل إلى منطقة التفرد؛ لكن دراسة عام 2012 التي نشرت في مجلة نيتشر تشير إلى أن التأثيرات الكمومية ستؤدي إلى أن يكون أفق الحدث أشبه بجدار النار، الذي يحرق على الفور حتى الموت.

لحسن الحظ، لم يحدث هذا مطلقًا لأي شخص، فالثقوب السوداء بعيدة جدًا عن سحب أي شيء من نظامنا الشمسي. لكن العلماء لاحظوا وجود ثقوب سوداء تمزق النجوم، وهي عملية تطلق كمية هائلة من الطاقة.

أول صورة ملتقطة لثقب أسود

في الأربعاء 10 أبريل 2019، أعلن فريق علمي دولي عن تحقيق إنجاز هام في فرع الفيزياء الفلكية وامتداداتها في الفيزياء النظرية، وذلك بعد التقاط أول صورة على الإطلاق لثقب أسود حقيقي، وذلك باعتماد شبكة عالمية معقدة من أجهزة التلسكوب، وهذه الصورة تتيح فرصة لفهمٍ أفضل لهذه «الوحوش السماوية» التي تتمتع بقوة جاذبية هائلة لا يفلت منها أي جسم أو ضوء.

وعمل على هذا البحث مشروع «إيفنت هورايزون تلسكوب»، وهو مشروع دولي مشترك انطلق سنة 2012، محاولاً رصد الثقب الأسود وبيئته باستخدام شبكة عالمية من أجهزة التلسكوب المتمركزة على الأرض.

ولقد كشف الفريق على أن مخرجي  "هوليوود" كانوا دقيقين إلى حد بعيد في تخيلهم وتصويرهم لهذه الظاهرة الكونية الغريبة. وتبلغ مساحة الثقب 40 مليار كيلومتر مربع، أي ثلاثة أضعاف حجم الأرض، وقد وصفه العلماء بـ "الوحش". ويبعد الثقب 500 كوادريليون كيلومتر عن الأرض (كوادريليون= مليون ترليون)، وقد اشترك في عملية تصويره شبكة من ثمانية تلسكوبات موزَّعة على ستة جبال وأربع قارات.

ختاما، فإنه رغم الأعداد الضخمة من الأبحاث التي تجرى على الثقوب السوداء، وبلوغ بعض الإنجازات المهمة التي أتاحت لنا فرصة للتعرف عليها بشكل أفضل، إلا أنها تبقى لغزا علميا محيرا ومثيرا سواء للمتخصصين وحتى لعامة الناس، ولانزال جميعا ننتظر ما ستتكشف عنه الأيام من حقائق حول هذه الظاهرة المذهلة والساحرة.