آخر تحديث: 10/05/2021

الشارع المستقيم.. أطول طرق دمشق القديمة

الشارع المستقيم.. أطول طرق دمشق القديمة

الشارع المستقيم والمعروف حالياً بالسوق الطويل أو سوق مدحت باشا، له تاريخ طويل من العراقة، وتكمن في طبقاته الدفينة حكايات عن دمشق أقدم مدينة مازالت مأهولة في التاريخ، تتحدث عن العهود التي مرت بها منذ ما قبل الإسلام ومروراً بالدولة الأموية وصولاً إلى الحقبة العثمانية وإلى الوقت الحاضر، بنى على يد الرومان طوله 1570 متر داخل السور يمتد من غرب المدينة القديمة إلى شرقها قاطعا إياها إلى قسمين ويبلغ عرضه 26 متر.

مكونات الشارع

كان الشارع يتألف من طريق واسع في الوسط يقابل فتحة الباب الوسطى، ورواقين جانبيين مسقوفين يقابلان الفتحتين الصغيرتين للبابين الشرقي والغربي، تحملهما الأعمدة المتوّجة بتيجان كورنثيّة جميلة، التي مازال يظهر بعضها بين الفينة والأخرى خلال أعمال الحفر والبناء في الشارع، وكانت المخازن التجاريّة موزّعة على طول هذا الشارع بحذاء أروقته.

طريقة البناء

بنى الشارع على يد الرومان في غضون القرن الأول قبل الميلاد وكان يعد الشارع الرئيسي لمدينة دمشق القديمة والتي كان اسمها آنذاك داماسكس، وقد أسماه الرومان باسم فيا ريكتا (باللاتينية:Via Recta) أي الطريق المستقيم أما العرب فسمّته بالشارع المستقيم، وقد بنى بما يتناسب مع أسلوب بناء المدن اليونانية والرومانية أي أسلوب البناء الشطرنجي الهلنستي والمقسم بالشوارع الصغيرة إلى أحياء صغيرة.

وكان يقطع هذا الشارع شارع آخر عرضي يمتدّ من الشمال إلى الجنوب وعند نقطة التقاطع قوس رباعيّة تمّ الكشف عنها في منتصف القرن العشرين (عند محلّة طالع الفضّة)، وكانت على عمق أربعة أمتار ونصف من سطح الأرض الحاليّة، وتحدث ابن عساكر عن قوس روماني ودعاه قنطرة سنان، وورد في مصادر تاريخيّة وجود أقواس أخرى إلى الغرب من هذه القوس، تهدّمت في القرن الثامن الهجري، واستخدمت أحجارها في بناء بعض القصور والبيوت حسب المؤرّخ ابن كثير.‏

تسمية الشارع

وفي عهد المماليك أطلق على القسم الغربي من الشارع سوق جقمق، نسبة إلى سيف الدين جقمق نائب دمشق الدودار في سنة 821 هجرية، وفي العهد العثماني قام الوالي مدحت باشا بتوسيع الشارع على حساب الدور السكنية سنة 1878 وحمل منذ ذلك الوقت اسم مدحت باشا، وقد جدد في عام 1890 في عهد رؤوف باشا وتمت تغطيته بالحديد والتوتياء في عهد آخر الولاة حسين ناظم باشا حماية له من الحرائق بعد أن كان مسقوفا بالخشب.‏

قيمته التاريخية

يعتبر من أهم الطرق من النواحي الأثرية والتاريخية والروحية، وتنبع أهميته من كونه جزءاً من الطريق الذي سلكه بولس الرسول حيث وصل كنيسة حنانيا، ومنها انتقل إلى كنيسة باب كيسان، وانطلق من الأخيرة ناشراً المسيحية في أوروبا،كما يضم الشارع المستقيم معظم الكنائس المسيحية القديمة التي يتخذ منها البطاركة مقراً لهم.‏

ومن يتعمق في البحث سيكتشف أن الشارع القائم حاليا ليس هو الشارع المستقيم، ولكن هناك أجزاء من شارع مدحت باشا ولاسيما الممتدة من القوس الروماني إلى باب شرقي هي جزء من الطريق القديم، أما الأجزاء الأخرى فقد اختفت ضمن الأسواق وأصابها القدم بفعل كوارث طبيعية أو أعمال تنظيمية جرت في العصور الأيوبية والمملوكية والعثمانية.‏

وصف الشارع

الطريق حسب أقوال المؤرخين كان يمتد من باب الجابية إلى باب شرقي، في حين نرى أن باب الجابية يختفي بين الأسواق القديمة،كما أن المصورين في القرن التاسع عشر التقطوا صورا للشارع المستقيم قبل أن يجدد في عهد مدحت باشا ومنها صورة بكاميرا أنونيم فرانسيس، وقد انخفض الشارع بسبب زلازل ضرب المنطقة عن مستوى الشارع الظاهر حالياً، وهو يقع تحته بعمق يتراوح بين خمسة وعشرة أمتار.‏

وقد تأكد هذا عندما جرى تجديد الشارع وإقامة بنى تحتية جديدة في عام 2007، فخلال الحفريات تم اكتشاف العديد من الآثار القديمة، وتم اكتشاف أساسات الشارع المستقيم القديم، إضافة إلى كشف أساسات وقواعد سور المدينة القديمة، وقد قال عنه الكاتب مارك توين مدينة أثناء زيارته دمشق في عام 1869:(الشارع المستقيم ليس بالمستقيم، إنه أكثر استواء من نازعة الفلين ولكنه أكثر انحناء من قوس قزح).‏

ترميم الشارع

وفى عامين 2007 و 2008، تم إعادة ترميم الشارع من أوله إلى آخره، فقد تم رصفه بالبازلت، وكذلك الأرصفة المتعلقة به وأُعيدت إليه في بعض أَجزاءه الآثرية وبعضا من قطع الأعمدة القديمة والتيجان الكورنثية التي كانت تزين الشارع المستقيم قديمًا، كما تم ترميم وتجديد كافة العقارات الموجودة على الجانبين وتمت الاستعاضة عن أبواب الحوانيت والمحلات الحديدية بأبواب أخرى خشبية، كما تم تأمين بعض المساحات الخضراء وزراعتها ببعض نباتات الزينة وأُضيء الشارع بالأضواء المناسبة لتُظهر جماله أكثر.