آخر تحديث: 03/05/2021

الفلسفة وعلم النفس

الفلسفة وعلم النفس
تعد الفلسفة وعلم النفس من العلوم الإنسانية التي نبعت من قلب وعقل العديد من العلماء الذين بحثوا في تكوين الإنسان ومحاولة فهم معارفه وطريقة تفكيره.
فالفلسفة وعلم النفس يبحثان في نفس الإنسان ومعتقداته وكيفية رؤيته للحياة، ومحاولة رسم صورة أساسية أو مبادئ حقيقية تحكم نفس الإنسان ورؤيته للحكمة، الفلسفة تعني محبة الحكمة، وعلم النفس أيضاً يبحث في المبادئ التي تحكم نفس الإنسان وأسلوب رؤيته لنفسه وللحياة.

هل هناك تعريف واحد للفلسفة وعلم النفس؟

رحلة التعرف على نفسية الإنسان وعلى طريقة بحثه عن الحكمة الحاكمة لمبادئ الحياة رحلة ليست سهلة أو بسيطة، فقد بدأها الإنسان منذ القدم وعلى مدار مئات السنين، وخاضها العديد من العلماء والفلاسفة من مختلف بقاع الأرض ومن مختلف الحضارات على مر العصور.

وفي كل عصر ومع كل زمن يحاول كل عالم وضع تعريفاً جامعاً لكل من الفلسفة من جهة ولعلم النفس من جهة أخرى، ولكن لم يتفق كل العلماء على تعريف واحد لكلاً منهما.

ولازالت الحقيقة المجردة والمطلقة لغز يحاول الإنسان اكتشافه، فما هي حقيقة الحب والانتماء والود؟ وما هي حقيقة الوطنية والانتماء للإنسانية؟ وما هي قيمة الحرية والقيم الحاكمة لها؟

السبب في وجود صعوبة في تعريف بعض المفاهيم

ولنضرب مثلاً على قيمة من القيم مثل الحرية، فهناك مجتمع من المجتمعات تتحكم فيه قيم القبيلة الصحراوية، نجد أن مفهوم الحرية لديهم مرتبط بشيخ القبيلة والعادات والتقاليد الحاكمة لهم، فحريتهم مرتبطة بقرار شيخ القبيلة والعادات، مثل عادات الزواج من الملزمة أن تكون الزيجة مرتبطة بزواج من داخل القبيلة.

بينما نجد مجتمعاً منفتحاً مثل المجتمع الساحلي، وهو مجتمع يطل على سواحل بحرية يرتبط بالتجارة المتبادلة بين الشعوب وما يستتبع ذلك من تبادل للحضارات، وتبادل للثقافات، وغيرها من أنواع التبادل الثقافي والإنساني.

مجتمع كهذا المجتمع المنفتح في عاداته وتقاليده أكد مفهوم الحرية في التنقل، والحرية في الزواج وغيرها من أنواع الحريات ستكون مختلفة شكلاً ومضموناً عن مفهوم الحرية في المجتمع القبلي.

فسنجد حرية أكبر في اختيار الزوجة مثلاً وحرية أكبر في اختيار مكان الزواج، فنجد في محافظة الاسكندرية المصرية اليوناني متزوج من مصرية والعكس، ولا يجد المجتمع غضاضة من هذا الأمر.

علم النفس وعلاقته بعلم الفلسفة

والفلسفة أو الحكمة الحاكمة في مجتمع من المجتمعات لها تأثيرها الكبير على نفسية أعضاء هذا المجتمع، ففي المجتمع الريفي نجد المشكلات النفسية مختلفة شكلاً وموضوعاً عن المشكلات النفسية الموجودة في مجتمع حضري مدني.

فإذا كانت الفلسفة الحاكمة لمجتمع من المجتمعات الريفية المنغلقة تهتم بالذكور على حساب الإناث، وتهتم بتربية الذكور تعليمهم وتحرم الإناث من الميراث والحقوق في الأرض والعقار، فإن الحكمة والفلسفة الحاكمة لهذا المجتمع تفرض نوعية معينة من المشكلات النفسية، مثل شعور الإناث بالاكتئاب وشعورهن بالدونية واحتقار الذات لعدم قدرتهن على الحصول على حقوقهن المشروعة في الميراث وغيرها من الحقوق.

وهذا لا يعني أن الذكور في هذا المجتمع لا يعانون من المشكلات النفسية، فهناك مشكلات نفسية مرتبطة بهم أيضاً تتعلق بالتطلعات في الحصول على حقوق أكبر، فأصحاب الأراضي تختلف مشكلاتهم عن المستأجرين عن صغار الفلاحين.

الفلسفة الحاكمة لأبناء المدينة ومشكلاتهم النفسية

فإذا ما نظرنا إلى المدينة سنجد أن الفلسفة الحاكمة لهم تعتمد على ثقافات أخرى، وتنتشر بشأنها أمراض نفسية أخرى، فالمدينة الصناعية تنتشر فيها الصناعات المختلفة وتتشابك بها شبكات المواصلات تجعل من الضغوط النفسية الكبيرة دوراً بارزاً في المشكلات النفسية.

اختلاف البيئات وعلاقته بعلم النفس

ومما سبق كله نجد أن علم النفس يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالبيئة الثقافية والاقتصادية وباقي المعطيات الحياتية في المجتمع، ارتباطاً لا يقبل الانفصال.

ويأتي دور علم النفس مختلفاً من بيئة لأخرى، فهل نجد لعلم النفس دوراً في البيئة الريفية؟ هل يتم الاعتراف بالمرض النفسي في تلك البيئة؟

والسؤال الأهم في حالة أن الإجابة سلبية، هل هناك سبيل لنشر الثقافة النفسية في تلك البيئة الريفية؟

إن الإجابة على هذا السؤال ليست بالسلبية المفرطة، فالبيئة الريفية مختلفة عن البيئة الجاهلة، فالبيئة الريفية تطورت بشدة خلال العقود الأخيرة بشكل كبير في العديد من البلدان.

ففي العديد من المجتمعات تم تطويرها بدخول وسائل التكنولوجيا ووسائل التواصل الحديثة بشكل كبير جداً، هذا التواصل بين المجتمعات في العصر الحديث أدى إلى نشر العديد من الثقافات الجديدة والمتطورة بشأن علم النفس وعلوم أخرى لم تكن قد وصلت لهم من قبل.

علم النفس التربوي وتأثيره على فلسفة المجتمع

كثيراً ما نسمع عن أن الأمل في الجيل القادم، وأنه إذا ما أعددنا جيلاً قوياً ثقافياً وعلمياً فإننا نكون قد وضعنا أولى خطواتنا نحو تكوين حضارة حقيقية في المستقبل القريب.

لذا كان من الضروري النظر إلى علم النفس التربوي على أنه علم له دوره الفعال في تربية المجتمع بشكل عام والأطفال بشكل خاص.

فمجتمع مثل المجتمعات التي لا تنظر لتعليم الإناث نظرة اعتبار، فنجد أن بعض الإناث لا يقتنعون أيضاً بأهمية التعليم لهن، الأمر الذي يجعلهن غير مقدمات على التعليم، ويفضلن الزواج على التعليم.

هنا نجد لعلم النفس التربوي دوراً كبيراً في ترسيخ المبادئ الجديدة التي تبني في المجتمع القيم الصحيحة وترسخ لأهمية التعليم للإناث، وهو أمر غاية في الأهمية.

وهنا نجد أن الفلسفة الحاكمة للمجتمع تتطور وتتشابك أيضاً مع علم النفس، فنجد أن العديد من القناعات يمكن تغييرها وتبديلها إذا ما أحسنا استغلال الفرص المتاحة في المجتمع من خلال العقول المتفتحة والمستنيرة.

الطفرات الحضارية وعلاقتها بالفلسفة

هناك العديد من المجتمعات شهدت طفرات حضارية في وقت قصير، وذلك بعدما نجحت في تغيير الفلسفة الحاكمة لها بفلسفة جديدة لها ما يبررها.

وهنا نلاحظ أن العديد من المجتمعات تعرضت لصدمات حضارية مكنتها من تغيير فلسفتها، فكانت لاستغلال تلك الصدمات بشكل إيجابي أثرها البالغ في تحقق تلك الطفرات

ومن تلك الدول التي حققت الطفرات، اليابان، حيث أنها تمكنت من تحويل هزيمتها في الحرب العالمية الثانية إلى ثورة إنسانية كبيرة مكنتها من أن تكون أحد أهم النمور الأسيوية المتحكمة في اقتصاد العالم في وقت قياسي.

إن تلك الطفرة في الحياة بشكل عام لم تتحقق إلا بتحقيق طفرة حقيقية في الفلسفة الحاكمة في المجتمع الياباني، حيث أنه تحول من الصراع إلى البناء في وقت قياسي.

ونجد أن فلسفة العمل لدى المجتمع الياباني تطورت بشكل كبير، حتى أن الإنسان الياباني أصبح يرفض الإجازة الممنوحة له، وأصبح يفضل العمل عليها، وهذا إن دل على شيء فإنه يدل على تطوير في الفلسفة الحاكمة للمجتمع استتبعه تطوير في مفهوم قيمة العمل.

وهذا لا يعني أن المجتمع الياباني أصبح بلا أمراض نفسية، ولكن يعني أن الأمراض النفسية تطورت وتغيرت حسب الفلسفة الحاكمة للمجتمع.

وأخيراً... فإن الفلسفة وعلم النفس من العلوم المرتبطة ارتباطاً وثيقاً ببعضهما البعض بشكل لا يقبل الانفصال أو التجزئة بأي حال من الأحوال، لذا وجب الاهتمام بدراستهما بشكل متصل على الدوام.